إعداد/ عبدالله بخيت صالح.. باحث مهتم بالشأن التشادي
الرقيب أول آجي كوسي محمد:
من مواليد 24 مايو 1945م في مدينة ماو بكانم، كان شاباً جادّاً في الحياة، عالي الهمة. التحق بصفوف الجيش الوطني التشادي في ريعان شبابه، وتدرّب في سلاح الطيران (Armée de l’air)، وبعد استقلال تشاد عن فرنسا في 11 أغسطس 1960م صار الرقيب أول (Sergent-Chef) آجي كوسي أوّل طيّار حربي في سلاح الجو التشادي الذي كان يملك أسطولاً جوياً متواضعاً من بضعة مقاتلات حربية قديمة قدّمتها فرنسا لتشاد في ظل اتفاقيات التعاون العسكري التشادي ــ الفرنسي التي وُقِعت في شهر يوليو 1960م (قبل إعلان الاستقلال بشهر!).
وعقب تأسيس حركة التحرير الوطني التشادي “فرولينا” في عام 1966م في عهد الرئيس الأول للبلاد أنقرتا تمبلباي أنقرباي، صدرت الأوامر لسلاح الجو التشادي بقصف الثوار في مناطق شرق البلاد من الجو، إلا أن الرقيب أول آجي كوسي اعتذر عن المشاركة في هذه العمليات بحجة أن الثوار من أبناء أقاليم شمال تشاد في غالبيتهم، وإنه إذا وافق على تنفيذ تلك العمليات الجوية فسيكون مشاركاً في قتلهم بدون مبرر مقنع. واعتُبر اعتذاره عصياناً لأوامر قائد أركان الجيش الوطني التشادي وتمرداً على سلطة رئيس البلاد، فتم اعتقاله في نهاية الستينيات من القرن العشرين وسجنه ولم يخرج من السجن قط واختفى من الحياة الدنيا من ذلك الحين.
وهناك روايتان في طريقة مقتله: الأولى تقول أُعدم الرقيب أول آجي كوسي محمد رمياً بالرصاص لمخالفته الأوامر العسكرية، وهو ضابط صف نظامي في المؤسسة العسكرية. والثانية تقول إنه أُعدم بعد تعرّضه للتعذيب، وأن جثته دُفنت في مكان مجهول بتوصية من مدير المخابرات التشادية في ذلك الوقت، كامي غورفنيك (وهو من الجنسية الفرنسية!). ولذا كتشاديين أمامنا اليوم العديد من الملفات الغامضة التي شاركت فرنسا في تنفيذها وننتظر من الحكومة الفرنسية الاعتراف بها من باب الالتزام الأخلاقي تجاه الشعب التشادي.
وتخليداً لذكرى هذا الشاب الشجاع أُطلق اسمه على القاعدة الجوية التابعة للجيش الوطني التشادي بمدينة أنجمينا. كما تأسست مدرسة نظامية باسمه في أنجمينا.
وبصفتي باحثاً مهتماً بالشأن التشادي تتبعت ملف الطيار الرقيب آجي كوسي محمد منذ سنوات، ويُعد مقتله في تلك الظروف جريمة سياسية يجب الاعتراف بها علناً من قبل الحكومة التي بادرت بإطلاق اسمه على أول قاعدة جوية في البلاد. غير أن الشاب الجرئ قد دفع حياته ثمناً لمواقفه، وقد حان الوقت لإلقاء الضوء بشكل أوسع من قبل الباحثين والمؤرخين على سيرته ومسيرته وظروف اعتقاله وطريقه إعدامه ومعرفة مكان دفنه بعد مضي أكثر من نصف قرن على اختفائه الذي يعتبر فصلاً مرعباً من فصول التاريخ السياسي الحديث بتشاد.
ملحوظة مهمة:
حاولت مراراً وتكراراً تقصى الحقائق حول قضية إعدام الرقيب أول آجي كوسي محمد من بعض ضباط المؤسسة العسكرية التشادية الذين كانوا جنوداً نظاميين بصفوف الجيش في تلك الحقبة بطرق متنوعة وأساليب متعددة، ولكنهم يتهرّبون عن الافصاح عن بعض التفاصيل لأسباب لا أعلمها، وعزوت ذلك إلى سبببن: الأول يعرفون أن زميلهم آجي كوسي اعتقل وأُعدم ولكنهم لا يملكون تفاصيل دقيقة فلا يريدون يظهروا أنفسهم أمام الباحث بمظهر الجاهل الذي لا يعلم ما حدث. والثاني لا يعرفون شيئاً البتة عن تفاصيل هذه القضية.